أخبــاربلاد الجوار

برلمان ليبيا في قلب المعركة.. من يربح جولة طرابلس؟

يشهد المشهد السياسي الليبي تحولاً في موازين القوى داخل مجلس النواب، بعد انتخاب الصالحين عبد النبي العبيدي رئيساً للمجلس خلفاً لعقيلة صالح، الذي تولى المنصب لأكثر من 12 عاماً. وبينما حظيت القيادة الجديدة برسائل دعم من الولايات المتحدة وبعثة الأمم المتحدة، تبرز تحركات في طرابلس قد تفتح الباب أمام اصطفافات سياسية جديدة، وتعيد الخلافات حول شرعية التغيير وآليات إدارة المرحلة المقبلة إلى الواجهة.

وجاء التغيير بعد سلسلة من التحركات السياسية التي رافقت جهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بدعم أميركي، لدفع مجلسي النواب والأعلى للدولة إلى التوافق على اتفاق «4+4». فقبل انتهاء المهلة المحددة للمجلسين، اعتمد مجلس النواب الاتفاق في ظل رئاسة عقيلة صالح، بالتوازي مع تحرك لإعادة تفعيل اللجنة المشتركة «6+6» بالتعاون مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة.

وبحسب مصادر برلمانية، أسهمت هذه المناورات في تراجع الدعم السياسي لعقيلة صالح، مع تنامي الاعتقاد بأنه يعرقل تقدم المسار السياسي من دون طرح بدائل عملية، الأمر الذي دفع أطرافاً إلى المطالبة بتغيير القيادة لتسريع تنفيذ التفاهمات.

وتشير هذه المصادر إلى أن أحد بنود اتفاق «4+4» ينص على اتخاذ إجراءات بحق من يعرقل تنفيذ التفاهمات، بما في ذلك إبعاده سياسياً واللجوء إلى خيارات بديلة. وجاء انتخاب العبيدي في هذا السياق، وسط مساعٍ لإدراج الاتفاق ضمن الإعلان الدستوري، بما يقلل احتمالات الطعن القضائي في الإجراءات المرتبطة به.

القيادة الجديدة تفتح ملفات التشريع والرقابة

من المنتظر أن تضع هيئة رئاسة مجلس النواب الجديدة تحريك الملفات التشريعية والرقابية ومراجعة القوانين ذات الأولوية ضمن جدول أعمالها، إلى جانب عقد جلسات للمجلس في عدد من المدن بمناطق الوسط والجنوب والغرب الليبي.

وفي أول قراراته، أعفى العبيدي عبد الحميد الصافي أفكيرين من رئاسة المركز الإعلامي الليبي للدراسات والاستشارات الاستراتيجية في القاهرة، وعيّن المتحدث باسم المجلس عبد الله بليحق خلفاً له.

وكان أفكيرين يشغل منصب المستشار الإعلامي لعقيلة صالح، ويُنظر إلى المركز بوصفه إحدى القنوات التي عززت حضور رئيس المجلس السابق ونفوذه في مصر.

وبعد يوم واحد من انتخابه، أعلن العبيدي دعمه مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، في خطوة تزامنت مع رسائل أميركية مرحبة بالقيادة الجديدة.

وأكد بولس استعداد الولايات المتحدة للعمل مع رئيس مجلس النواب الجديد ونائبيه طارق الأشتر ومصباح دومة، بهدف دفع العملية السياسية وتوحيد مؤسسات الدولة وصولاً إلى إجراء انتخابات وطنية.

من جهتها، تابعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جلسات مجلس النواب التي عُقدت في بنغازي مطلع الأسبوع، وأكدت استمرار انخراطها مع المجلس وهيئة رئاسته الجديدة، والعمل مع مختلف الأطراف الليبية لدفع تنفيذ خارطة الطريق السياسية التي ترعاها البعثة.

تحركات في طرابلس واحتمالات اصطفافات جديدة

رغم الترحيب الدولي بانتخاب العبيدي، ظهرت مؤشرات على اعتراضات داخلية قد تعقّد تثبيت القيادة الجديدة. فقد أعلن عدد من النواب الموالين لعقيلة صالح رفضهم انتخاب هيئة رئاسة جديدة، معترضين على ما وصفوه بفرض الأمر الواقع.

وأعلن المعترضون عزمهم عقد جلسة لمجلس النواب في العاصمة طرابلس خلال الأسبوع المقبل، على أن يُحدد موعدها ومكانها لاحقاً، في خطوة قد تمهد لتشكيل تحالفات جديدة تجمع صالح بأطراف سياسية في غرب البلاد.

وكشفت مصادر سياسية عن اجتماعات وتحركات في طرابلس شملت النائب علي بوزريبة ووزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة في حكومة الوحدة الوطنية، بالتزامن مع تجهيزات داخل مقر مجلس النواب في العاصمة استعداداً للجلسة المقترحة.

وتثير هذه التحركات تساؤلات بشأن إمكانية انتقال الخلاف من التنافس على رئاسة المجلس إلى مواجهة أوسع حول شرعية القرارات الصادرة عن جلسات بنغازي، وما إذا كانت الأطراف المعترضة ستتمكن من حشد دعم سياسي كافٍ لفرض مسار موازٍ.

المنفي يستدعي صالح إلى اجتماع الرئاسات

في موازاة ذلك، وجّه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي دعوة إلى عقيلة صالح لزيارة طرابلس والمشاركة في الاجتماع الثاني لـ«الهيئة العليا للرئاسات»، المقرر عقده في 18 تشرين الأول/أكتوبر الجاري.

وبحسب الدعوة الصادرة عن المجلس الرئاسي في السابع من الشهر، يأتي الاجتماع استناداً إلى إعلان طرابلس الصادر في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بشأن تأسيس الهيئة بوصفها إطاراً تنسيقياً للقرار السيادي الوطني، من دون تحميل الدولة أعباء مالية أو إدارية إضافية أو المساس بالاختصاصات الدستورية للمؤسسات.

وشملت الدعوة أيضاً رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد مفتاح تكالة، ونائبي المجلس الرئاسي عبد الله اللافي وموسى الكوني، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة.

وقال المنفي إن الاجتماع يأتي في ظل ما وصفه بـ«الظرف التاريخي» الذي تمر به ليبيا، في مواجهة تحديات اقتصادية وأمنية ومحاولات وصاية أجنبية، مشدداً على أهمية تجاوز الخلافات السياسية بما يخدم مصلحة البلاد.

وكان المنفي قد أبدى تحفظاً على الإجراءات التي استهدفت إزاحة عقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب، مؤكداً أن الخلافات داخل المؤسسة التشريعية ينبغي أن تُحسم وفق الإعلان الدستوري وتعديلاته، لا عبر إجراءات تتجاوز المرجعيات الدستورية.

وفي السياق نفسه، توقع مستشار رئيس المجلس الرئاسي لشؤون الانتخابات والمجالس التشريعية، السفير زياد دغيم، أن يُبطل القضاء الإداري النتائج المترتبة على جلسة مجلس النواب الأخيرة في بنغازي، التي شهدت انتخاب العبيدي رئيساً للمجلس.

تغيير القيادة لا ينهي الصراع السياسي

يعكس انتخاب الصالحين عبد النبي العبيدي تحولاً مهماً في قيادة مجلس النواب الليبي، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء الخلافات التي أحاطت بالمؤسسة التشريعية ومسار التسوية السياسية.

فبين الدعم الأميركي والأممي للقيادة الجديدة، وتحركات المعترضين في طرابلس، وموقف المجلس الرئاسي الذي يشدد على الالتزام بالمرجعيات الدستورية، يبقى مستقبل رئاسة المجلس مرتبطاً بقدرة الأطراف على تجنب الانقسام المؤسسي والتوصل إلى تفاهمات تضمن استمرار المسار السياسي نحو توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى